نخبة من الأكاديميين

320

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

1 - حركات الاستقلال الذاتي ونمط توظيف أوروبا لها في تكريس ضعف الدولة العثمانية والقوة الإسلامية . شهد العالم العربي الإسلامي منذ أواخر القرن الثامن عشر م وفي أواخر القرن التاسع عشر م بعض الحركات ذات التوجهات الاستقلالية عن المركزية العثمانية ، وهي تعد صورًا متطورة للحركات المناظرة في القرن الثامن عشر م كما تعد خطوات مسبقة وممهدة للحركة القومية التي أينعت منذ أواخر القرن التاسع عشر م خاصة في الشام ، كما أنها قبل ذلك كله تختلف في نواحٍ عدة عن الحركات الأوروبية التي أدمجتها معها الكتابات الغربية في إطار " المسألة الشرقية " . فإن هذا الدمج ينكر أي ذاتية أو خصوصية إسلامية لعلاقات الولايات العربية - الإسلامية مع الدولة العثمانية ، كما يسقط أرجاء أخرى من الوطن العربي خاصة الجزيرة والعراق وشمال أفريقيا - ظهرت فيها أيضًا حركات مختلفة النمط من حيث البحث عن الاستقلالية عن المركزية العثمانية . ومن ثم - وإلى جانب انطلاقنا من الاعتراف بضرورة التمييز بين الأزمات الأوروبية والأزمات في العلاقات العثمانية - العربية لاعتبارات عديدة توضح محددوية مصطلح " المسألة الشرقية " ، كان اهتمامنا في هذا الموضع ليس بالحالة المصرية في ظل محمد علي فقط ( وهي أكثر الحالات شيوعًا وجذبًا للاهتمام ) ولكن أيضًا بنماذج أخرى ذات مدلولات مهمة مقارنة خاصة بالنسبة لمدى طبيعة تأثير متغير التدخل الأوروبي ؛ لأن الحركات العربية كانت حركات متنوعة الأنماط ، فهناك الحركات السياسية ( ويقع في نطاقها تجربة محمد علي ) ، والحركات الدينية الإصلاحية مثل الوهابية والمهدية والسنوسية ، والحركات الانفصالية مثل الموارنة في الشام منذ 1860 م ( وهي التي سنتناولها في ما بعد ) . وبالرغم من أنها لا تعبر عن حركات قومية مثل الحركات الأوروبية ، كما أنه لا يمكن أن نسميها بصورة مطلقة - حركات انفصالية أو تحررية ، إلا أنها تختلف عن بعضها البعض من حيث الدوافع والأهداف ومن حيث التفاعل مع السياسات العثمانية ومن حيث طبيعة الدور الأوروبي المتعلق بها ، الأمر الذي نتناوله في الأسطر التالية . أ - دوافع وأهداف الحركات وأدوات تعاملها مع السلطة العثمانية : كانت الحركة الوهابية والسنوسية والمهدية حركات ذات دوافع دينية مثلت تحديًا نابعًا من المسلمين ذاتهم يجد جذوره في المصادر الإسلامية الأساسية دون تأثر بالغرب ودون أية إرهاصات قومية ، ولكن اقترنت هذه الحركات بأخرى سياسية وعسكرية . أما حركة محمد علي ومماليك العراق فلقد كانت حركات سياسية خرجت على النظام السياسي للدولة العثمانية . وجميع هذه الحركات حفّزتها وحرّكتها حالةُ الضعف العام والتدني الذي تردى فيه المسلمون وعجز الدولة العثمانية عن مواجهة خطر الهجمات الخارجية ، ومن ثم كانت تعبيرًا عن ردّ الفعل ضد التهالك في مواجهة الغرب وعن ضرورة إعداد السبل لمقاومته ، ولهذا فإن هذه الحركات كشفت الستار عن ضعف الدولة العثمانية في نظر المسلمين ، وبالرغم من فشل هذه الحركات في إحداث تغيير جذري وسريع يوفر الفرصة لعلاج الخلل في ميزان القوة